يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد : إن أمتك مختلفة بعدك . قال : فقلت له : فأين المخرج يا جبريل ، فقال : كتاب الله تعالى به يقصم الله كل جبار ، من اعتصم به نجا ، ومن تركه هلك ، قال وفيه قول فصل ، وليس بالهزل ، لا تختلقه الألسن ، ولا تفنى أعاجيبه . فيه نبأ ما كان من قبلكم ، وفصل ما بينكم ، وخبر ما هو كائن بعدكم . ))

الموقع الشخصي
لأعمال الدكتور
راتب عبد الوهاب السمان
info@kitabuallah.com

مقدمة بحث اليوم الآخر

 

الهدف من خلق الحياة والبشر على الأرض : عبادة الله عن عقل وإرادة ، ضد الشهوة المتعة .

لتحقيق هذه الهدف قضى الله عز وجل ما يلي :

(1) وجود الإنسان على الأرض وتمسكه بالحياة ولذاتها ومتعها والخوف من الموت ، وميله للتملك والسيطرة والبقاء .

(2) أرسل الله الرسل لتخبر الناس أن هناك إله هو الله ، وأن الله قد شرع شريعة وأوامر يجب اتباعها ، واتباع الشريعة هذا هو العبادة ، وأن هناك حياة أخرى بعد الموت هي اليوم الآخر ، وفيه حساب : ثواب عند اتباع الشريعة وعقاب عند عدم اتباع الشريعة .

(3) وجعل التأكد من حقيقة وجود اليوم الآخر صعباً يحفه الشك ، ويحتاج إلى عقل وفكر نير وإرادة قوية وعمل مجهد . وجعل الناس قسمين ، قسم يميل لقبول الآخرة وقسم لا يميل لقبول الآخرة

(4) وجعل بين هذين القسمين صراعاً وجدلاً وفتنة وابتلاء

(5) والهدف النهائي من هذا كله هو بيان مَنْ مِنَ البشر لديه الإمكانات والقدرات العقلية والنفسية التي تمكنه من التأكد من حقيقة وجود الإله واليوم الآخر عن عقل ، ثم تكون له الإرادة والقوة على الدفاع عن هذه القناعة ضد الشهوة والمتعة والشك

(6) ومن ينجح بهذا الامتحان هو المؤهل في الآخرة ليكون بجانب الله في مقاماته العليا ، ومن لا ينجح يكون في الآخرة في مقام البعد عن الله أي في جهنم

(7)  والناس سيتوزعون في درجات في الآخرة تمتد بين أعلى ما يمكن من القرب من الله ، وأبعد ما يمكن عنه في غيابات جهنم ، وذلك بحسب مقدار ما حققوه من نجاح في تحصيلهم القناعة بوجود الإله واليوم الآخر من جهة ، وبمقدار ما تكون لهم الإرادة والقوة على الدفاع عن هذه القناعة من جهة أخرى ، وهذا يتم وفق قواعد للحساب بينها الله في كتابه .

 

من هذه المقدمة يمكننا أن نقسم بحث اليوم الآخر إلى أربعة أقسام

1 – الإيمان باليوم الآخر

2 – أحداث اليوم الآخر

3 – أصول وقواعد الحساب في اليوم الآخر

4 – تفاصيل تشريع ( قانون ) الحساب في اليوم الآخر

 

1 – الإيمان باليوم الآخر

(1) وفيه نورد الآيات التي تتناول وجود الإنسان على الأرض وتمسكه بالحياة ولذاتها ومتعها والخوف من الموت ، والميل للتملك الأعظمي والسيطرة والبقاء

(2) ثم نورد الآيات التي تتناول إرسال الله للأنبياء والرسل وطرح موضوع وجود الله وعبادته واتباع شريعته على الناس ، والتأكيد على وجود اليوم الآخر والبعث بعد الموت ، وتأخير الحساب عن قصد ، وتسجيل الملكين لأعمال الناس في كتاب .

(3) ثم الآيات التي تتناول الصراع بين من يميل لقبول الإيمان بالله واليوم الآخر ، ومن لا يميل ، وما يرافق ذلك من ابتلاء وفتنة ، تظهر وتبين من المؤمن حقاً  ، ومن إيمانه عملي يترافق  بإرادة وعمل ، ممن إيمانه رياء وتصنع ونفاق .

2 – أحداث اليوم الآخر

(1) وفيه نورد الآيات التي تتناول الموت والقبر وحالة البرزخ

(2) ثم نورد الآيات التي تتناول موعد الساعة وأشراط وعلامات قيام الساعة

(3) ثم الآيات التي تتناول قيام الساعة وانهدام الكون

(4) ثم الآيات التي تتناول عودة الخلق والقيامة والبعث

(5) ثم الحشر الأولي

(6) ثم الحساب الأولي أثناء الحشر الأولي

(7) ثم الجمع والموقف والعرض على الله والأشهاد والحساب النهائي

(8) ثم العرض على جهنم

(9) ثم الحشر النهائي إلى الجنة أو إلى النار

(10) ثم الحياة في الجنة والحياة في النار والأعراف

3 – أصول وقواعد الحساب في اليوم الآخر

وهنا نورد الآيات التي تتناول :

(1) مبدأ حق الله بفعل ما يشاء : حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين – لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - - حقت عليهم كلمة العذاب – أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ألست بربكم .

(2) مبدأ العدل في خضوع جميع الناس لأسس الحكم ذاتها

(3) مبدأ أن لا تزر وازرة وزر أخرى ، وكل إنسان تحكمه أعماله هو فقط ولا تحكمه أعمال غيره , إلا في بعض الحالات حيث يحملون أثقالاً مع أثقالهم .

(4) مبدأ أن كل الأعمال مسجلة وتدخل في الحساب بكاملها صغيرها وكبيرها دون استثناء .

(5) مبدأ أن حتى النيات وما أخفي من الميل للعمل ونية العمل يدخل بالحساب أيضاً .

(6) مبدأ عدم وجود شفيع يغير من الحكم ( مثل مال ولد إلخ ) إلا في حالات خاصة منصوص عليها .

(7) مبدأ لا ظلم : الموازين – لا يستوي الخبيث والطيب – المسرفون – اجترحوا السيئات – المؤمن والفاسق – الذين يعلمون والذين لا يعلمون .

(8) مبدأ الحساب على قدر العلم والاستطاعة : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها – لم نكن معذبين حتى نبعث رسولاً – حتى يبن لهم ما يتقون – اتقوا اله ما استطعتم – نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر – الشيطان والقرين ليس مخففاً للعقوبة

(9) مبدأ تصنيف الذنوب والأعمال إلى كبائر وصغائر

(10) مبدأ حبط الأعمال : من اتبع غير الإسلام ديناً – لا يغفر أن يشرك به – بعض أنواع الكفر : بالله ولقائه وبالإيمان – شاهدين على أنفسهم بالكفر – المنافقين - من يريدون العلو في الأرض والفساد – من يتولى كفار اليهود والنصارى – الذين بخوضون في آياتنا – كرهوا ما أنزل الله - كفروا وصدوا عن السبيل وشاقوا الله ورسوله – من لا يطيع الله ورسوله – رفع الصوت فوق صوت النبي -

(11) مبدأ التوبة والاستغفار – مبدأ الحسنة بعشر أمثالها – مبدأ الحسنات يذهبن السيئات – تبديل السيئات إلى حسنات – مبدأ تكفير السيئات – مبدأ الجزاء بأحسن ما كانوا يعملون – مؤمني اليهود والنصارى المتقين – تاب وأصلح – قولوا حطة – الصادقين من أتباع الأنبياء السابقين - الذين يتلون كتاب الله من أهل الكتاب

(12) مبدأ الفصل بين الطوائف والشيع والأديان في الآخرة يحتفظ به الله بحيثياته لنفسه وهو فقط الذي سيحكم بأسس خاصة لم يعلنها لنا في القرآن ، بما فيهم من قالوا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى .

(13 ) مبدأ حق العفو أو عدم العفو هو لله فقط وبعد انتهاء الحساب : عدم العفو على الذين "إذا ردوا لعادوا لما نهو عنه " ، والعفو على الذين هم ليسوا كذلك (والله أعلم ) – العفو على من في حياته بعض الميل للحسنات ( والله أعلم)  - يغفر الذنوب جميعاً  .

 

4 – تفاصيل تشريع ( قانون ) الحساب في اليوم الآخر

يمكن تقسيم شجرة البحث في الثواب والعقاب في اليوم الآخر بطريقة واضحة ودقيقة وسهلة من حيث الوصول إلى المعلومة ، رغم كبر وعظم هذا الموضوع ، وذلك إذا اتبعنا التقسيم الذي عرضناه في بحث الشريعة ، ففي بحث الشريعة قسمنا الموضوع إلى قسمين رئيسيين : الأول قيام حكم الشريعة ، والثاني تفاصيل الشريعة

وهنا في بحث قانون الحساب في الآخرة نقسمه إلى

(1) الحساب على إقامة حكم الشريعة ، (2) الحساب على تنفيذ أحكام الشريعة

(1) وفي بحث الحساب على قيام حكم الشريعة :

يمكن استعراض مخطط إقامة حكم الشريعة بالتفصيل وبيان الثواب والعقاب في كل خطوة  :

1 - عقاب من يعمل على منع قيام حكم الشريعة من أعداء الشريعة أو من المنافقين أو من المؤمنين المتقاعسين إلخ

2 – ثواب من يعمل على إقامة حكم الشريعة : بالدعوة ، وطاعة الرسول ، والهجرة وإعداد القوة والقتال والنفقة إلخ .

(2) أما في بحث الحساب على تنفيذ أحكام الشريعة : فتستعرض أحكام الشريعة وفق البنود العشرة ، ثم نعرض الآيات التي تبين حكم الله في الثواب والعقاب لكل بند منها ، مع بيان الثواب والعقاب الدنيوي ( الحدود ) والأخروي حين لا يتم الثواب أو العقاب الدنيوي

وهنا سنجد على سبيل المثال  :

في بحث عبادة الله وعدم الشرك : ثواب الإيمان وعبادة الله في بنوده الخمس عشرة من تفكر وإسلام وأفعال مختلفة إلخ ، وعقوبة أنواع الشرك الأربعة والأربعين كل على حدة

وفي بحث أكل أموال الناس بالباطل نجد مثلاً : عقوبة الربى في الدنيا ثم في الآخرة ، وأكل مال اليتيم ، وأكل أموال الناس باسم الدين من الأحبار والرهبان ومن شاكلهم  والغلول ، والإدلاء بالأموال إلى الحكام إلخ ، وهنا تورد الآيات التي تبين العقوبة في الدنيا من أنواع الحدود ، والعقاب في الآخرة إذا نجا الفاعل من عقوبة الدنيا .

وهكذا في باقي أحكام الشريعة

وبعد هذه الدراسة يمكن معرفة  الثواب والعقاب الذي ينتظر كل إنسان في الآخرة  ، وذلك من الآن وعلى وجه الدقة ، وذلك من معرفة عمله في هذه الدنيا ، ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) ، ويمكن التنبؤ بالمصير هل هو إلى الجنة أم إلى النار ، وذلك في معظم الحالات ، ولكن تبقى الحالات التي يغفر الله فيها الذنوب جميعاً ، والحالات التي يقضي الله بحكمه ويفصل فيها بين أتباع الشرائع والمعتقدات المختلفة وذلك بحسب نياتهم لا ظواهر عملهم  والتي استأثر الله بها لنفسه .