يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتاني جبريل عليه السلام فقال يا محمد : إن أمتك مختلفة بعدك . قال : فقلت له : فأين المخرج يا جبريل ، فقال : كتاب الله تعالى به يقصم الله كل جبار ، من اعتصم به نجا ، ومن تركه هلك ، قال وفيه قول فصل ، وليس بالهزل ، لا تختلقه الألسن ، ولا تفنى أعاجيبه . فيه نبأ ما كان من قبلكم ، وفصل ما بينكم ، وخبر ما هو كائن بعدكم . ))

الموقع الشخصي
لأعمال الدكتور
راتب عبد الوهاب السمان
info@kitabuallah.com

القسم الأول

القسم الأول

تصدير

الفصل الأول: الهدف من كتاب " لسان القرآن "

الفصل الثاني: فهم القرآن الكريم قديماً وحديثاً


بسم اله الرحمن الرحيم

تصدير

أحمد الله العلي القدير أن أتمَّ نعمته عليَّ في إعداد كتاب (لسان القرآن)، راجياً منه سبحانه أن ينفع به خلقه.

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

هذا الكتاب الذي بين أيديكم والذي سَمَّيْتُه " إحياء لسان القرآن " هو مقدمة إلى كتاب" لسان القرآن"، وهو الكتاب الذي أنفقت في إعداده وتأليفه ما يقرب من عشرين عاماً.

ويهدف هذا الكتاب المقدمة  إلى بيان الهدف والغاية من تأليف كتاب " لسان القرآن "، وبيان أهم ما جاء فيه من جديد، ثم تفصيل المنهج الذي أوصلنا إلى هذه النتائج الجديدة، والتي نأمل أن يكون فيها نفع للأمة وعوناً لها على فهم القرآن الكريم، وذلك بشكل دقيق وواضح، وأقرب ما يكون إلى التوحيد وانتفاء الخلاف والفرقة.

ونلخص هنا الجديد الذي جاء به كتابنا " لسان القرآن ":

1 –كشف الألفاظ الأصول، لجميع ألفاظ القرآن الكريم، وبيان طريقة نطقها وتشكيلها.

2 – بيان المعنى الوحيد لألفاظ القرآن الكريم الأصول جميعها، والمنهج المتبع في الوصول إلى المعنى الوحيد.

3 – استحداث مفهوم المعنى الفيزيائي للفظ، وبيان المنهج المتبع في الوصول إلى المعنى الفيزيائي للفظ.

4 – تحديد معنى الألفاظ الأصول بشكل دقيق وقطعي.

5 – جمع الألفاظ الأصول ضمن مجموعات تشابهية سداسية.

6 – تفريق اللفظ بدقة نهائية عن غيره من الألفاظ.

7 – إثبات انعدام وجود ظاهرة الوجوه والنظائر في القرآن الكريم.

8 – بيان الطريقة الأصوب لدخول الألفاظ الأصول في بناء الجملة.

9 – إعادة بناء ميزان صرفي واشتقاق صرفي، خاص بالقرآن الكريم، ومسألة تخصيص معنى وحيد لكل بناء صرفي معين.

************

لقد جعل الله تعالى القرآن الكريم أمانة في عُنُق المسلمين ليقوموا بتبليغه وتعليمه للناس ..

ولكن الكثير من المسلمين جعلوه وراء ظهورهم واتخذوه مهجوراً..

ومن أوضح صور الهجران أنك ترى المسلمين يتسابقون في اقتناء النسخ الجميلة منه ويزيِّنون به جدران مساجدهم ومداخل دُورهم، ويتخذون منه تُحَفاً في سياراتهم وخزائنهم، وربما صاغوا منه حُلِيَّاً.. ولا تقوم تعزية إلا به، وفي آية منه شفاء من أمراض العصر، وما يُغني عن الذهاب إلى الطبيب المتخصِّص ..وتُفتتح به الأفراح والندوات، ويطرب الناس لقارئه أبي الألحان.. ويوضع على الطاولة لتأدية القسَم، وغير ذلك كثير مما لا يحتاج إلى كبير عناء ..

حتى إذا جدَّ الأمر، ومُحِّص القول، ودُعي الناس للتدبُّر الذي أراده مُنزل القرآن، التدبُّر الذي يورث العمل..خارت عزائم أكثرهم، وغلَّبوا أهواءَهم وشهواتِهم، وآثروا التبرُّك بغلاف (المصحف) وتقبيله ألف مرة..على العمل بآية منه.

وهكذا يصدُق قول الله تعالى:

{ وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا(30) } الفرقان

إن هناك ضعفاً وتأخُّراً في الأمة لا يماري فيه أحد، وما ذلك إلا لتخلُّفٍ عن فهم كتاب الله، ونكوصٍ عن المنهج الذي أراده سبحانه ..

وهذا الذي يجعل الأمة بحاجة إلى عودة حقيقية لتدبُّر القرآن، ليكون المخرج لها من حالتها الراهنة، ولتعود فتشهد على باقي الأمم، وذلك عندما تقدِّم منه الحلول للبشرية جمعاء.

وتصديق ذلك من قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء في سنن الترمذي - (ج 10 / ص 147)

2831 - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ قَال سَمِعْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ عَنْ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ الْحَارِثِ قَالَ

(مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ قَالَ وَقَدْ فَعَلُوهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ فَقُلْتُ مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ } مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ

نرجو أن نكون قد وضعنا بهذا العمل، لَبِنة مهمة على هذا الطريق، إن شاء المولى عزَّ وجلَّ.

دمشق في 10 نيسان 2009

راتب بن عبد الوهاب بن محمد السمان

 

الفصل الأول

الهدف من كتاب  " لسان القرآن "

إن الهدف من كتابنا " لسان القرآن " هو إحياء لسان القرآن .. فهماً واستعمالاً

لكنْ هل لسان القرآن ممات؟!

أليست اللغة العربية لغةَ القرآن الكريم ؟!

وأين ذهبت كل تلك الدراسات والكتب والمعاجم المؤلفة التي تملأ المكتبات؟!

أقول: لسان القرآن لم يَمُت ولن يموت، وهو حيٌّ وسيبقى حياً..لكنه حبيس الكتب والمعاجم، ولم تستقر معاني الكثير من ألفاظه في عقولنا بشكل دقيق وواضح .. كما أننا لا نتواصل إلا باليسير من مفرداته..!!

وآية ذلك:

1)- الاختلاف الكبير في فهم آياته وأحكامه.

2)- وهجران جزء كبير من ألفاظه من خلال استعمال ألفاظ عربية أخرى غير قرآنية بدلاً منها

 

العلامة الأولى على أننا لا نفهم ألفاظاً كثيرة من القرآن الكريم بشكل دقيق وواضح هي:

اختلاف الفهم: وهو واقع ومحسوس، حتى صار بعض الناس يؤولونه حسب مصالحهم: فالصوفي يفهمه صوفيَّاً والسلفي يراه سلفيَّاً، والمعتزلي يراه عقلياً، وبعض الفرق لا ترى فيه إلا فرقتها وحزبها، وكل نِحلة تراه ناصراً لآرائها.. وهكذا الاشتراكي والعلماني والديموقراطي.. وكل مذهب يجد شواهد على أحقِّيَّة رأيه من خلاله..!!

وهكذا صار بإمكاننا أن نقول مقولة ما، ثم نأتي بشاهد من القرآن الكريم يؤكد صحة مقولتنا، ثم لا تعجب بعد ذلك إذا رأيت خصماً ومخالفاً في الرأي يدلِّل على خصومته ورأيه بالشاهد نفسه..!!

وهناك من علماء الأمة- قديماً وحديثاً - من يُبَرِّر هذا الأمر ويُسَوِّغه، بل ويُجَمِّله!

- يقولون: لا بد من الخلاف، والاختلاف لا يفسد للود قضية، ويدلِّلون على ذلك بالآية الكريمة:

{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ..إلا من رحم ربك  ولذلك خلقهم} هود (118-119)

- ويقولون: القرآن الكريم حمال أوجه، ويستشهدون على ذلك بأَثَرٍ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه أرسل ابن عباس ليحاجج الخوارج: وأوصاه بقوله " لا تجادلهم بالقرآن فهو حمَّال ذو وجوه .."

- ويقولون: الاختلاف غِنى وسَعة ويُسر، فلماذا نحجِّر واسعاً؟! ويروُون أثراً لا أصل له: " اختلاف أمتي رحمة "،

وقد جاء في فتح القدير للمناوي 1/ 212 : قال السبكي: وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع.

ولا أدري أية رحمة في الاختلاف!! ولا أظنها تكون بأن ما حرَّمه فقيه بعد فهمه لحكم الله في كتابه، يحلِّله آخر بفهم جديد، تسهيلاً على العباد..؟! وهل يرضى الله تعالى أن يكون في أمة نبيينا محمد صلى الله عليه وسلم

أحبارٌ ورهبانٌ أرباباً من دون الله يحرِّمون ويحلِّلون، أو يحلِّلون ما حرَّم الله ليكونوا أرحم من الله بخلقه..؟؟!!

- ويقولون: القرآن لا تنقضي عجائبه، لذلك فمن الممكن في كل عصر أن يظهر فهم جديد مغاير لما سبقه، وربما كشف هذا الفهم إعجازاً كان غائباً عن أهل العصور السابقة، فمثلاً فَهِمَ القدماءُ مواقع النجوم في قوله تعالى:

{ فلا أقسم بمواقع النجوم(75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم(76) } الواقعة

بأنها نزول القرآن الكريم منجَّماً (متفرِّقاً)، وهو ما نقله القرطبي وابن كثير في تفسيريهما عن ابن عباس: المراد بمواقع النجوم هو نزول القرآن نجوماً أي مفرقاً.

أما مع تطور علوم الفضاء فهناك من يرى ذلك من خلال الأبعاد بين النجوم التي تقدَّر بملايين السنين الضوئية..

************

من الصعب القبول بأن جُمَل القرآن يمكن أن تفهم بطرق متعددة متناقضة متضادة، ثم تكون كل هذه الأفهام والتفسيرات صحيحة ومقبولة، وتعدُّ غنى ويسراً وتنوُّعاً واجتهاداً..

كيف يكون الحال لو كان بالإمكان صياغة الحكم- أي حكم - بطريقة توافق هوى المرء، بعد لوي عنق النص وتحويره وتحميله ما لا يحتمل ..؟!!

هل يبقى بعد ذلك دين وأحكام وشريعة ؟؟!

أين نحن من قوله تعالى:

{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (82) } النساء

{ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد(42) } فصلت

{ إنه لقول فصل(13) وما هو بالهزل(14) } الطارق

{ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون(50) } المائدة

{ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(48) } المائدة

{ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون(49)} المائدة

{ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) } الإسراء

 

إذا تدبرنا هذه الآيات لا يمكننا قبول أفهام مختلفة للنص القرآني، بل يمكننا القول:

عندما يكون هناك فهمان مختلفان أو أكثر لنص قرآني واحد، فأحدها أو جميعها خطأ

فإذا رأينا عالِمَيْن قد اختلفا في فهم آية أو آيات من القرآن، ونشأ عن ذلك حكمان مختلفان، فلا شك أن أحدهما صواب والآخر خطأ، أو أن كليهما خطأ، وذلك مهما علا نجم قائله ولمع اسمه وتقدس سره..

أما الاختلاف في التفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم، والتي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته وأحاديثه، فهي الغنى والتنوع المفيد، وهو تنوع في تطبيق الحكم الواحد القرآني، وذلك بحسب الحالات والأحوال المتعددة المختلفة.

من هنا أقول: إن سبب هذا التفرق والاختلاف الشديد بين الفرق يعود بدرجة كبيرة إلى عدم الفهم الدقيق والصواب لآيات القرآن الكريم، وهكذا تتولد المذاهب والفرق.

وفي الملحق رقم (1) في نهاية هذا الكتاب أوردنا دراسة قرآنية عن النهي عن الاختلاف في الدين، وهي منقولة من بحثنا عن أهل الكتاب في القرآن الكريم"، وهي فقرة بعنوان:  " وجوب التبرؤ من تفرق أهل الكتاب وشركهم "، وهو جزء من أبحاث تصنيف القرآن الكريم بحسب وحدة الموضوع، والذي سميته موسوعة " تفصيل كل شيء"، وفي هذا البحث ما يكفي للتخلي نهائياً عن قبول فكرة الاختلاف في الدين، والكلام في ذلك لربي وربكم سبحانه وتعالى

وأورد هنا جزءاً يسيراً من هذا البحث وذلك على سبيل التقديم والمثل

 

النهي عن التفرق في الدين

النهي عن التفرق في الدين

{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون(30)منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين (31)من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون(32) } الروم

{ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون(159) }الأنعام

فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون

فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون

{ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدوني(92)وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93)} الأنبياء

{ ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم(51)وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقوني(52)فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53)فذرهم في غمرتهم حتى حين(54)أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين(55)نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون(56) } المؤمنون

 

{ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون(53) } المؤمنون

{ الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون(32) } الروم

 

{ فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم(65) } الزخرف

{ فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم(37) } مريم

سبب الاختلاف والتفرق: هو البغي، أي تحصيل النفع المادي أو المعنوي

اختلفوا وتفرقوا بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم

{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب(13)وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب(14) } الشورى

{ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة(4) } البينة

 

{ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (93) } يونس

{ وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) } الجاثية

 

{ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب(19) } آل عمران

{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم(213) } البقرة

 

تفصيل الأمور التي اختلفوا فيها

1) اختلف الناس في الحكم بين الناس

2) اختلف الناس بتفضيل الرسل

3) اختلف أهل الكتاب بين يهود ونصارى

4) اختلف أهل الكتاب في عيسى

5) اختلفوا في السبت

6) اختلفوا في الكتاب

7) اختلفوا بحكم الله في كتابهم

8) اختلفوا في عبادة الذين اتخذوهم أولياء من دون الله

************

العلامة الثانية على أننا لا نفهم القرآن الكريم بشكل دقيق وواضح هي:

هجران جزء كبير من ألفاظه: وعدم شيوعها في الاستعمال اليومي، واستعمال ألفاظ عربية أخرى لم ترد في القرآن الكريم بدلاً منها..

ما معنى أن نستعمل في الأدب والشعر والقصص والصحافة والخطابة والمحادثة والتعليم ما يقل عن نصف ألفاظ القرآن الكريم، ونهجر الباقي..؟!

وقُلْ مِثْلَ ذلك في العلوم الشرعية من فقه وتوحيد وأصول فقه وسيرة وتفسير..!!

لو كان هجراننا لها قصداً، فهو الطامة الكبرى..

ولو كان تهاوناً أو عدم اكتراث، وتفضيلاً لألفاظٍ بديلةٍ من اللغة العربية غيرَ مستعملةٍ في القرآن الكريم، ولكنها شائعة بين الناس، مع علمنا بوجود ما يحل محلها من ألفاظ القرآن الكريم، إن هذا برأيي لهو الطامة الأكبر.

نعم إنه هجران، نسأل الله العفو والعافية، ولا يشفع لنا أي عذر.

 

إن هذا الهجران قد أخذ شكلين كل واحد منهما أخطر من الآخر:

  • الشكل الأول هجران اللفظ كلياً أو شبه كلي، حتى أصبح أغلب الناس لا يعرفون معنى اللفظ،   فالمستمع أو قارئ القرآن الكريم، يحتاج أن يعود مراراً لكتب التفسير والمعاجم ليفهم معاني هذه الألفاظ.

ومثال ذلك: تَبَّ، بَتَكَ ، تَقِفَ، ذأَمَ، ضَبَحَ، عثى، هَطَعَ، ذَرأَ، صَمَدَ، غَسَقَ، وَقَبَ، خَنَسَ، مَسَدَ

  • الشكل الثاني هجران المعنى الأصلي القرآني للفظ، واستعماله بمعنى آخر: فيبقى اللفظ أو الجذر في الاستعمال، ولكن بغير المعنى الذي ورد في القرآن الكريم.

ومثال ذلك:

اللغة: هي الهذر والباطل وليس اللسان، وحاشى للسان القرآن أن يوصف بلغة القرآن بهذا المعنى

الوصف والصفات: الزعم الباطل والكذب، وليس السمة والميزة والخاصية، وحاشى لله أن يكون له صفات بهذا المعنى

عنا ويعني، والمعني والمعنى: يخضع ويذعن، وليس يَدُلّ ويبيِّّن، ولا الدلالة ولا البيان

الحال: من الحؤول: الدخول بين شيئين، وليس الهيئة

المس: الإصابة والتغيير وليس اللمس

الفتنة: الاختبار تحت الشدة وليس الإغراء أو الحرب الطائفية

القصد: الاعتدال، وليس التوجه أو المراد والغاية

الإدراك: اللحاق والطلب، وليس الوعي والفهم

الطلب: اللحق والملاحقة للاستنقاذ، وليس الرجاء والدعاء والسؤال

الثقف: العثور واللقيا والوجد، وليس الثقافة والتهذيب

العقيدة: من العقد والربط وليس الإيمان

الواجب: الناضج حتى السقوط وليس الحق والحتم والفرض

الصلاة: اللزوم للتأثر والتفاعل وليس الوصل والصلة، وليس الدعاء، ولو أنها اصطلاحاً تحمل معنى الدعاء وأفعال الصلاة الاصطلاحية، ولكنها أفعال يراد مها لزوم الرب وتوجيه الوجه والذكر والفكر إليه للتأثر به والتفاعل معه، والصلاة على رسول الله ليس مجرد كتابة أو قول " صلى الله عليه وسلم، بل هي صلاة أنفسنا عليه: أي لزوم سنته واتخاذه أسوة حسنة، والله سبحانه يصلي على النبي، بمعنى أنه يصلِّي نفسه عليه بالحفظ والعصمة، أو يصلي خلقه على نبيه: أي يأمرهم باتباع سنته واتخاذه أسوة حسنة، وليس أن يقولوا أو يكتبوا من غير أن يدروا ما يفعلون: صلى الله عليه وسلم

 

وقد بلغ عدد جميع الجذور اللفظية التي جاءت في القرآن الكريم، (1848) أصلاً أو جذراً،

إضافة لـِ (188) من ألفاظ الاختصار من حروف متصلة أو ضمائر منفصلة  وما شابه..

إضافة إلى ما يقرب من 106 من ألفاظ الاختصار المركبة،

وعدد من التراكيب اللفظية،

 

لقد رتَّبنا الجذور اللفظية التي جاءت في القرآن الكريم (1848 أصلاً أو جذراً )، وذلك وفق هجرانها أو شيوع استعمالها، بما يعطي مؤشِّراً تقريبياً ذا دلالات هامة:

الصنف الأول: ألفاظ شائعة الاستعمال في اللغة العربية وبذات المعنى القرآني: تقريباً 47 % من مجموع ألفاظ القرآن الكريم

الصنف الثاني: ألفاظ مستعملة في اللغة العربية بغير معناها القرآني تقريباً 26 % من مجموع ألفاظ القرآن الكريم

الصنف الثالث:ألفاظ قرآنية قليلة أو نادرة الاستعمال في اللغة العربية المستخدمة، لا يُلِمُّ بها إلا من لديه اطلاع جيد ومن أهل التخصص: وهي تقريباً 27 % من مجموع ألفاظ القرآن الكريم

للاستزادة انظر الجدول في الملحق رقم  (9)  في نهاية الكتاب وفيه جزء مختار من الجداول الأساسية التي كشفت عن هذه النتيجة

وهكذا نكون - من حيث ندري أو لا ندري - قد هَجَرنا وتوقفنا عن استعمال ربع ألفاظ القرآن الكريم، واستقدمنا بدلاً عنها ألفاظاً أخرى من العربية لم ترد في القرآن الكريم، ولم نكتفِ بذلك، بل استعملنا الربع الآخر بطريقة مغايرة لمفهوم ودلالة اللفظ في القرآن الكريم، واشتققنا معاني اللفظ من الشعر الجاهلي وكلام العرب والمعاجم، معرضين أو غافلين عن دلالة اللفظ الأصلية في القرآن الكريم..

وهنا نتوسع قليلاً في هذه المسألة:

من المعلوم أن اللفظ العربي له وجوه، أي معانٍ ودلالات مختلفة متباينة للفظ ذاته - بحسب المعاجم - لا تقل عن ثلاثة، وقد تصل إلى العشرات، تسمى وجوه اللفظ، أحياناً تتقارب بالمعنى، وقد تكون مجرد تخصيص أو اصطلاح أو مجاز لأحد المعاني السياقية للفظ، ولكنها أحياناً أخرى تختلف تماماً وكلياً، بل قد تكون معاني متضادة، كلفظ

" الظن " فتارة يستعمله العرب بدلالة اليقين، وتارة بدلالة الظن ( بمعنى الشك)، وهو لا شك يفيد أحد المعنيين في الجملة الواحدة، ولكنه بحسب المُستعمِل وقبيلته وعرفه وتعارفه إما أن يستعمله ظناً أو يقيناً..!

ولا بأس من الإشارة إلى اصطلاح آخر وهو النظائر، فالنظير هو المرادف: فهو لفظ مختلف، ولكنه له ذات دلالة ومعنى لفظ آخر.

وفي الاستعمال اليومي للغة في التعليم والكتابة والتأليف، يشيع واحد أو عدد قليل من هذه الوجوه، ويهجر أو يندر أو يقل استعمال باقي الوجوه، وبذلك صار الناس يألفون هذا المعنى أو الوجه، ولا يعرفون الباقي من الوجوه، ومثل ذلك وقع في ألفاظ القرآن الكريم، إلى أن وصلنا إلى أن نحو 27 %  من ألفاظ القرآن الكريم قد استعمل في التأليف والتعليم وحتى في الفقه والتدريس الشرعي وفق معانٍ أو وجوه بغير معناها القرآني..

وهكذا شاعت معانٍ لهذه الألفاظ مغايرة للمراد في القرآن الكريم، وصارت حاضرة في أذهاننا، فنظن أننا نفهم بشكل صحيح وواضح، والحقيقة أننا نفهم بطريقة خاطئة..

وبعد ذلك ينشأ حوار الطرشان بين المثقفين، وأحياناً العلماء، ويزعم كل واحد أن فهمه للقرآن هو الصواب..!! وقد يكون كلاهما بعيد عن الذي أراده القرآن الكريم..

ولا ندري فقد يكون الدافع البغي{وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} (الشورى 14)،  أو الهوى{ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}(ص 26)،  أو الكبر{إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه}(غافر56)، أو الجهل {ولا تقف ما ليس لك به علم} الإسراء 36 كل ذلك يجعل أحدهم يهرب من المعنى والوجه المراد في القرآن الكريم إلى وجه آخر يحقق له مأربه..

ولعلَّ هذا يوضِّح إلى حد ما سرَّ تفرُّق المسلمين فرقاً وأحزاباً..

إن هجران ربع ألفاظ القرآن الكريم من الاستعمال، وهجران ربعاً آخر لدلالة الألفاظ، يعني أننا صرنا نفهم 50 % فقط من ألفاظ القرآن

فإذا علمنا أن كلاً من: اللغة التركية، والفارسية، والأردية (الهندية والباكستانية)، والاندونيسية، والسواحلية (أفريقية)، والأمازيغية ( البربرية)، وحتى اللاتينية القديمة، كل هذه اللغات تحوي نحو50 % من مفرداتها من اللغة العربية ..يصبح فهمنا للقرآن – نظرياً - أشبه بفهم الجاهل لهذه اللغات..!

لكن يبدو أن هناك سرّاً في بناء كلام القرآن يتيح لنا جزءاً من الفهم والاستيعاب والخشوع حين نتلوه، رغم أننا لا نفهم بشكل صواب ودقيق نصف مفرداته..!!!

وأظن أن القارئ يشعر بحاجة ماسة شديدة لبعض الأمثلة التي تؤكد هذه الدعوى، وحتى لا نكون انتقائيين، فإننا قد وضعنا  سرداً كاملاً لجميع ألفاظ القرآن الكريم التي هجرت أو استعملت بغير معناها القرآني، والألفاظ البديلة التي شاع استعمالها في التأليف الشرعي والأدب والتعليم..

وقد أوردنا جزءاً منها في الملحق رقم (9) في نهاية هذا الكتاب

وهذا ينطبق على الأوزان الصرفية ومعانيها، فلبعض هذه الأوزان دلالات لا تنطبق على القرآن، وهذا ما سنعرضه في بحث لاحق

************

أولى بنا أن نعود إلى لسان القرآن الأصلي فنُحيي ما أُميت ونزيل الركام عما دُثِر وهُجِر..وهذا يتحقق من خلال الأمور التالية:

- أن نحيي ربع ألفاظ القرآن الكريم الممات، فنستعملها بدلاً من الألفاظ العربية الأخرى التي أحللناها مكانها، أو إلى جانبها على أقل تقدير.

- ونحيي المعاني المماتة لربع ألفاظ القرآن الكريم الأخر، فنستعملها بدلاً من المعاني الأخرى التي أحللناها مكانها، أو إلى جانبها على أقل تقدير..

- ونعيد صياغة " علم الصرف " وذلك بتحديد معاني الأوزان الصرفية كما وردت في القرآن الكريم، ونميزها عن المخالف لها، والتي شاعت في العربية ولم يستعملها القرآن الكريم. ونعتمد ذلك المعنى القرآني لكل وزن صرفي، أصلاً للغة العربية، ونعتبر الباقي شذوذاً وحالات خاصة.

- ونستعمل الألفاظ في الكلام وبناء الجملة بالطريقة القرآنية ذاتها التي استعملها القرآن الكريم قدر الإمكان. ولا حرج من ذلك، فكلما استعملنا النسق القرآني، اقترب المسلم من لسان القرآن الأكمل والأجمل، وزادت فصاحته وحسن تعبيره، وتحسن فهمنا لآيات القرآن الكريم حين سماعها تتلى علينا

- ثم نستعمل هذه اللغة وهذا اللسان في التأليف الشرعي والأدبي والخطاب والإعلام والتعليم.

 

إذا أمكن ذلك فسيعود لسان القرآن حياً، وعندها سيصبح فهمنا للقرآن الكريم موحداً ودقيقاً وواضحاً..

 

ولكن هل يمكن ذلك ؟!

هل يمكن فهم ألفاظ القرآن الكريم بطريقة واضحة ودقيقة من جهة، ووحيدة دون خلاف من جهة أخرى ؟!

وهل يمكن تحديد شكل بناء الجملة التي يستعمل وفقها اللفظ ليكون مطابقاُ لاستعماله في بناء الجملة في القرآن الكريم؟!

وهل يمكن وضع ميزان صرفي ينطبق على ألفاظ القرآن الكريم بشكل دقيق، بحيث نعلم المعنى الذي يشير إليه كل وزن صرفي، بعيداً عن أوجه الخلاف ؟!

وهل سنجد في القرآن الكريم ألفاظاً تؤدي جميع المعاني التي نحتاجها، بحيث تغنينا عن استعمال ألفاظ أخرى من العربية اعتدنا استعمالها، وجعلتنا ننسى ونهجر جزءاً كبيراً من ألفاظ القرآن ؟!

 

بدأ ذلك قبل 20 سنة خاطرة ثم فكرة.. وفي السنة الأولى كان تحقيق هذه الفكرة أشبه بالحلم..

ولكنه الآن صار حقيقة مكتملة أو قريبة من الاكتمال..!!

ونأمل - من خلال كتابنا " لسان القرآن " – أن يصبح القارئ قادراً على ما يلي:

- معرفة المعنى الوحيد للجذر اللفظي القرآني، وهو معنى واضح يأخذ شكل التحديد الفيزيائي الدقيق (روح المعنى).

- تمييز المعنى بشكل دقيق عن غيره من الألفاظ المقاربة.

- معرفة المعنى الوحيد لكل وزن أو مشتق صرفي.

- بناء دقيق لشكل الجملة التي يستعمل وفقها اللفظ ومشتقاته

وسيأتي في القسم الأخير من هذا الكتاب بيان المنهج المتبع في الوصول إلى هذه النتائج

النفع المرجو من إحياء استعمال لسان القرآن:

إذا ما تم إحياء استعمال لسان القرآن، واستُعمل في:

– التعليم والمدارس

– الأخبار والجرائد والصحف

– المسلسلات التلفزيونية ومسلسلات الأطفال

– لغة القانون والمرافعات

– لغة التأليف والنشر

فإنه يتوقع بعد جيل أو جيلين:

1" – أن يعود لسان القرآن أساساً للغة العربية الفصحى الحالية، وبذلك نصحح الكثير من مساوئها وخاصة في:

1) تعدد فهم اللفظ الواحد بعدة طرق مختلفة وما ينجم عنه من تعدد فهم الجمل والكلام بطرق متباينة يؤدي إلى النزاع في القانون والعقود والدين والمعاملات.

2) كثرة الشذوذات في قواعد اللغة، حتى لم تعد هناك قاعدة، مما يجعلها مستحيلة التعلم.

3) تعدد الترجمة بحسب تعدد الفهم، مما يجعل الترجمة الآلية مستحيلة.

2" - أن يرجع لسان القرآن إلى الوجود فيفهم الناس القرآن الكريم بطريقة مشتركة واضحة ودقيقة، بعيداً عن اختلافات المفسِّرين وتكلُّف المتنطعين.

3" – أن تتم ترجمة لغة لسان القرآن إلى كل لغات العالم بشكل دقيق مع طرق تعليمها، وعندها يمكن لجميع شعوب الأرض تعلم القرآن الكريم وفهمه بدقة عالية.

*************

ها هو معجم لسان القرآن بين أيديكم..إن بدا لك فيه نقص أو ثغرة فمن تقصيري وضعفي، وليس من كتاب كامل سوى القرآن الكريم ..

لكنه بداية .. وخطوة هامة ..وقد يقيِّض الله عزَّ وجلَّ ممن يرى – مثل ما رأينا - أهمية إحياء لسان القرآن، مَنْ يتجاوز ما فيه من نقص، فيصوِّب خطأه ويسُدّ ما فيه من ثغرات.. أدركنا ذلك أو الأجيال اللاحقة..

 

خلاصة الفصل :

أهمية إحياء " لسان القرآن ":

  1. جعل فهم القرآن الكريم ميسَّراً للجميع، وليس للعلماء فقط..
  2. توحيد فهم القرآن الكريم بين المسلمين بجميع مللهم وشيعهم
  3. استخدام لغة واحدة في الإعلام والتعليم والقوانين

4. استعادة اللغة العربية أهميتها ومكانتها الحقيقية وذلك من خلال:

- تبعيتها للقرآن من الناحية النظرية والتطبيقية.

- تعديل وتهذيب وتصحيح قواعدها النحوية والصرفية بما يتفق والقواعد المطَّردة للقرآن الكريم، وإقفال باب الشذوذات والتخريجات المتكلفة واللهجات العربية المهجورة.

- الاستغناء عن الألفاظ الزائدة غير الموجودة في القرآن الكريم قدر الإمكان، والاستعاضة نها بألفاظ القرآن الكريم وفيه كفاية

 

الفصل الثاني

فهم القرآن الكريم قديماً وحديثاً

كتب هذا الفصل حاتم أيوبي

عندما نقرأ القرآن الكريم، نجد في ثناياه مئات الآيات التي تدعو للتفكر والتفقه والتدبر، وتُثني على القوم الذين يعقلون والقوم الذين يتفكرون، وأولي الألباب، وأولي الأبصار، ومن كان له قلب..

{ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته  وليتذكر أولوا الألباب(29) } ص

{ لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم  أفلا تعقلون(10) } الأنبياء

{  أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور(46) } الحج

ولما كان القرآن الكريم الكتاب السماوي الوحيد الذي سَلِمَ من التغيير والتحريف، حيث حفظ في الصدور والسطور، فكان نوراً على نور، فكان حريَّاً أن ينفر طائفة من المؤمنين ليتفقهوا في كلام الله، ويستنبطوا الأحكام وألوان الإعجاز التي فاتت أسلافنا.

هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ..

اللسان العربي المبين الذي أعجز العرب بصنعتهم التي أتقنوها وطالما فاخروا بها..

ولقد ثبت للقاصي والداني أن المتخصصين في كل فن، يقفون أمامه مقرِّين بعظمته، مسلِّمين بعدم قدرة أحد من الخلق أن يأتي بمثله أو بسورة من مثله

وإذا اتجهت لمعاني هذه الألفاظ ترى هذا الكتاب - مع قلة الحجم - متضمناً للمعنى الجم، وبحيث تقصر الألباب البشرية عن إحصائه، والآلات الدنيوية عن استيفائه

{ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيزحكيم (27)} لقمان

من هنا كان العلم بكتاب الله من أشرف وأجل العلوم.. وقد أفنى أناس أعمارهم في فهم القرآن الكريم ، فأصابوا وأخطؤوا، واقتربوا وابتعدوا، وأبدعوا وابتدعوا، حتى اختلطت الأمور، وتشعبت في فهمه السبل،كل حزب بما لديهم فرحون. وقد أعيا الكثيرين اختلافُ المفسرين في فهم آيات وآيات...

إن هذا العمل - مشروع لسان القرآن - قد تمَّ بعد جهد وعمل طويلين، استمر قرابة عشرين عاماً، أرجوا أن يحوز القبول من رب العالمين، والإفادة للناس أجمعين، وأرجوا أن يكون قد حوى ما لم يحوه سواه، وأن يكون نافعاً لعباده، يعينهم على فهم دقيق ومن غير خلاف للقرآن الكريم.

وقد يقول قائل: أضاقت المكتبة الإسلامية قديماً وحديثاً عن مثله، وما ترك الأول للآخِر من شيء، ولو كان فيما تأتي به من خير لسبقك إليه الأئمة والعلماء الكبار الذين انتهت إليهم العلوم وكتبوا في صغيرها وكبيرها..؟!!

والجواب على ذلك:كم ترك الأول للآخِر من شيء!!

فلكل قلب خاطر، ولكل خاطر نتيجة، ولم يقل أحد من هؤلاء الأئمة والعلماء أن العلم حطَّ رحاله ببابه وحده، بل إنهم وجَّهوا تلامذتهم ليفكروا وينظروا ويستنبطوا كما فعلوا هم، وهل المعدن النفيس كالمعدن المقلَّد..؟! وهل الدنيا إلا أزمان، ولكل زمان رجال، ولكل مجتهد نصيب من الحق والخير بحسب جهده..

والأصل في العلم أن ينمو ويزداد، وهذا يتأتّى بالبحث والمثابرة، لا أن ينقص ويضمحل ويتقزّم، وهذا ما نرى عليه المقلِّدة..

ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير..

فهم المفردات أساس تدبر القرآن:

إن معرفة الألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام، وبعض الجهل بالجزء يفضي إلى زيادة جهل بالمجموع،  فلا يمكن فهم مراد الله إن لم نعلم معنى آحاد الألفاظ المؤلفة للكلام، وإن لم نفتح تلك الأقفال.. ثم كيف يتأتَّى للمرء أن يتدبر آيات القرآن دون أن يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن؟!

إن فهم معنى ألفاظ القرآن الكريم بشكل صحيح ودقيق ووحيد، مطلب ملح لكل مخلص في هذه الأمة الإسلامية؛ كما أن الفهم الخاطئ، أو غير الدقيق، أو المختلف، هو السبب الرئيس لفرقة الأمة وتعدد مذاهبها، وهل ينفع إخلاص النيات في توحيد الأمة بوجود هذا الاختلاف الكبير الضارب الجذور؟!

إن نص القرآن الكريم قطعي الثبوت عن الله، ولا يوجد أي خلاف بين جميع فرق الإسلام، على أن هذا النص الذي بين أيدينا هو نفسه الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فلو أمكن فهم معاني ألفاظه بشكل صحيح ودقيق وموحد، فإن أي خلاف سيكون هامشياً وغير ذي أهمية، ولا يشكل سبباً للفرقة أبداً، وسيقبل على أنه تنوع لا يخالف صريح القرآن.

فالعلماء الأولون - جزاهم الله كل خير - جمعوا ودرسوا وبذلوا جهدهم، وذلك مبلغهم من العلم، وحسبهم بذلك فضلاً وشرفاً وربما لو أتيح لهم ما أتيح لنا من ثورة المعلومات والتقانة الحديثة لسبقونا إلى ما وصلنا إليه...

وها هو الفراهي الهندي وقد تأمَّل كتب القوم يقول في كتابه "التكميل في أصول التأويل" وهو كتاب قيِّم يبحث في مفردات القرآن الكريم:

(كتب اللغة والغريب لا تعطيك حدود الكلمات حداً تاماً، وكتب السير والتفسير لا تبين لك بالتمام والصحة أموراً جاء ذكرها في القرآن، وكتب العلوم الأُخر من العقليات والأخلاق لا تعطيك ما تضمن عليه القرآن من الحكم والأسرار... ومن أراد التأمل الصحيح والتدبر التام وجب عليه أن لا يغفل عن النقد فيما يأخذه من هذه العلوم. ومن يتمسك بالقرآن وينوِّر الله عقله يطلع على أغلاط كثيرة في كتب القوم) .

وإذا كان القوم أول ما يستدلُّون لآرائهم وأحكامهم بالقرآن الكريم فاعجب من رجل يروم إقامة الدليل على صحة شيء لا يعرف معناه، ولا يدري ما هو، وكثيراً ما تكون الصورة الذهنية للفظ مغايرة لما هي عليه حقيقة..!

ومردُّ ذلك أننا - نحن البشر- نتواصل فيما بيننا بالمعنى العام، وفي الغالب لا نهتم بإيصال المعنى الدقيق للألفاظ لأن العملية تحتاج جهداً يفوق قدرات البشر..

وحتى عندما نقوم بشرح فكرة أو لفظ غريب، نأتي بمترادفات على أنها هي معنى ما نقول، بالرغم من أن كل لفظ له معنى مغاير للآخر!! ورغم أنه قد يقاربه أو يشترك معه بجزء من المعنى -كبر أو صغر- لكن ذلك لا يعني أنه يساويه تماماً..

وهذا الكلام ينطبق على كتب التفاسير والمعاجم، فهي عموماً تقارب المعنى دون أن تصيبه..

فالتفاسير التي تعطي وجوهاً مختلفة للفظ، ومعانٍ عديدة، قد تصبح عامل فرقة، وتشتيتاً للذهن، وليس كما يحلو لبعضهم أن يقول عنها أنها مصدر ثراء وسَعة للناس..!!

فكيف يُزعم أن الأقوال المختلفة في فهم آية أو شرح غريب، هو غنى أراده الله..؟!!

لا يمكننا القَبول بأنها جميعاً صواب وتنوُّع، إذ إن أحدها صواب والبقية خطأ، وقد تكون جميعها خطأ..لأن المعنى المراد من الله، في آيات كتابه واحد.

وهذا مقتضى صفات الله من علم وحكمة وقدرة..، ومقتضى البلاغ والبيان، فالقرآن الكريم أحسن الحديث  وأحسن القصص وبلاغ للناس ..

ونحن البشر ننزه الإنسان العاقل عن أن يريد بكلام واحد شيئين مختلفين، فكيف بخالق البشر

ومن مقتضى العدل كذلك أن يكون البلاغ واضحاً وبيناً وقطعي الدلالة،  لئلا يكون للناس على الله حجة

{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا(82) } النساء

 

وربما نقبل ذلك – تجوُّزاً – في الكتب المختلفة، لكن لا يمكن قبوله في فهم كتاب الله أو المعاجم والكتب التي تبحث في المعنى الأصلي للفظ..

فالفقه والعقل والفهم والعلم والمعرفة و.. ليست بمعنى واحد، وإذا كنا نستخدمها بترادف فهذا لقصور فينا عن فهم الفروق اللغوية بينها، هذا أولاً، ولضعف فينا عن استخدام ما لم نألف ثانياً

لكن الله عزَّ وجلَّ منزل الكتاب لم يقلها لتكون سواء في المعنى، ففَقِهَ لها معنى غير عَقَلَ، وهاتان لكل منهما معنى غير فَهِمَ وهكذا..

ولأهمية ذلك نفرد البحث التالي:

الاشتراك اللغوي والترادف في القرآن بدعة بلا برهان:

الاشتراك في اللغة ببساطة أن يدل لفظ واحد على معنيين مختلفين أو أكثر، مثل العين يطلقونها على العين الباصرة وعين الماء والجاسوس والشمس وذات الشيء و..

وقد يصح ذلك كأمر واقع نتيجة تعدد اللهجات وتداخلها، أما أن ننسب ذلك للقرآن ففي ذلك عدم تعظيم لكتاب الله المبين، وعلى مُنَزِّل هذا القرآن العظيم { وما قدَروا الله حقَّ قدْره(91)} الأنعام

ولو طالعتَ كتب الوجوه والنظائر لرأيت أن هناك عشرة معانٍ أو أكثر أو أقل للفظ الواحد. ويبقى للقارئ أن يخمِّن أيها أراد الله في كل موضع وردت فيه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

فالهدى لها (17) وجهاً، والسوء لها ما يزيد عن(10) أوجه، وقل مثل ذلك في الصلاة والرحمة والفتنة والروح والقضاء والذكر والدعاء والإحصان...

انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج1 ص185-ص187

ونحن نرى أن هذه الوجوه ما هي إلا معان زائدة أضافها السياق القرآني على المعنى الأصلي للفظ، دون أن يغير شيئاً من المعنى الأصلي للفظ، وسيأتي تفصيل وبيان ذلك في الفصول القادمة من هذا الكتاب بإذن الله

والمحققون من أهل اللغة يرون أن المشترك اللفظي لا يكون إلا في المعاجم في واقع الأمر...

انظر فصول في فقه العربية ص334 د.رمضان عبد التوَّاب

وقد نبَّه أبو هلال العسكري على أن الزعم بوجود المشترك دون علامة توضح المعنى المراد مغاير للحكمة ومثير للغلط والالتباس، والقرآن من لدن حكيم خبير فلا يصح ذلك:

(وقال بعض النحويين: لا يجوز أن يدل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين حتى تضاف علامة لكل واحد منهما، فإن لم يكن فيه لذلك علامة أشكل وألبس على المخاطب، وليس من الحكمة وضع الأدلة المشكلة إلى أن يدفع إلى ذلك ضرورة أو علَّة، ولا يجيء في الكلام غير ذلك إلا ما شذَّ وقلَّ)

الفروق في اللغة ص14

وللدكتور محمد نور الدين المنجد كتاب بعنوان الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق - رسالة ماجستير موفَّقة - وقد قام بجمع هذه الوجوه المزعومة في كتاب الله وأمكنه رد كثير منها إلى معنى واحد، ثم خلص إلى جملة من النتائج:

- ما ذكرته كتب الوجوه والنظائر على أنه المشترك اللفظي في القرآن الكريم، لم يكن حقيقة من الاشتراك في شيء، وأن دعوى الاشتراك فيما ذكرته هذه المصنَّفات من وجوه ونظائر تسقط عند التمحيص والتحقيق...

- وبذلك تكون كتب الوجوه والنظائر مصنَّفات في علم التفسير والتأويل، تُعنى بالمفهوم العام للكلمة في سياقها، وتؤثر قولاً على قول استناداً إلى أثر أو إعمال نظر أو سبب نزول أو غير ذلك ولا تُعدُّ هذه المصنَّفات كتباً في علم اللغة تهتم بالدقة الدلالية للألفاظ في مواضعها

- ولذا لا نقول في القرآن الكريم ألفاظاً مشتركة

- الإعجاز في انفراد كل لفظ بمعنى مستقلّ لا يشاركه فيه غيره، لا كمن يراه في القول باشتراك ألفاظ في القرآن الكريم

الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق د.محمد نور الدين المنجد ص267-ص273

وقريب من ذلك الحديث عن التضاد وهو ببساطة أن يكون للفظ المعنى وضده بآن واحد..!!

ومن قديم أنكر ابن درستويه (ت347هـ) المشترك جملة ومنه الأضداد ودافع عن قدسية اللغة لأن واضعها الله عزَّ وجلَّ..يقول:

(فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين، أو أحدهما ضد الآخر، لما كان ذلك إبانة، بل تعمية وتغطية..) المزهر للسيوطي ج1/385

ونقل الجواليقي عن ثعلب: المحققون من علماء العربية،ينكرون الأضداد ويدفعونها..

شرح أدب الكاتب للجواليقي

وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في العصر الحديث، يقول عبد الفتاح بدوي:

(إننا لنتحدى الذين يزعمون أن في اللغة أضداداً ونباهلهم بجميع كلمات اللغة العربية أن يأتونا بلفظ واحد له معنيان متقابلان بوضع واحد، فإن لم يفعلوا- ولن يفعلوا - فليس في اللغة تضاد)

دائرة المعارف الإسلامية عبد الفتاح بدوي ج3/518

وقل مثل ذلك في الترادف وهو ببساطة أن يدل لفظان مختلفان أو أكثر على معنى واحد تماماً، مثل اليمين والقسم والحَلِف، ومثل نظر ورأى وبصر وشاهد...

وقد حفظت لنا المكتبة العربية والمعاجم أمثلة كثيرة، فهناك عشرات الألفاظ التي تقع على الأسد والخمر والسيف والريح...لكن عند التحقيق فإنها لا تعدو أن تكون صفات متباينة للمسمَّى، أو من قبيل لغات القبائل المختلفة (التي تداخلت ببعضها)، أو حدث بعضها من جهة المجاز، لذلك نجد كثيراً من محققي العربية – قديماً وحديثاً – ينكرون الترادف في اللغة العربية، كابن الأعرابي وثعلب وابن فارس وابن درستويه والعسكري والراغب الأصفهاني..

ولعل أبا هلال العسكري (ت:395هـ) يختصر الفكرة بقوله:

(كل اسمين يجريان على معنى من المعاني، وعين من الأعيان في لغة واحدة، فإن كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا لكان الثاني فضلاً لا يحتاج إليه. وإلى هذا ذهب المحققون من العلماء.

ويرد على من قال له: إن امتناعك من أن يكون للفظين المختلفين معنى واحد رد على جميع أهل اللغة لأنهم إذا أردوا أن يفسروا اللب قالوا هو العقل...قلنا: ونحن أيضاً نقول، إلا أنا نذهب إلى أن قولنا اللب وإن كان هو العقل فإنه يفيد خلاف ما يفيد قولنا العقل)                              من كتاب الفروق ص13

وهذا شأن المفسرين لكتاب الله، حيث انصب اهتمامهم بإيصال المعنى العام أو المجمل أو الفكرة دون حرفية المعنى، وهذا ناشئ عن أن حركة التأليف مع توسع الفتوحات الإسلامية ودخول العجمة لم تبقِ على صفاء السليقة العربية، فإما تلقَّى القوم فهم الدين والقرآن بالمعنى العام، وهنا كانت تستخدم الكلمة ومترادفاتها لتقريب الفهم وبغية التعليم، أو تصدَّى – لاحقاً - للكتابة والتعليم علماء أفاضل من غير العرب الأقحاح قد لا يتيسَّر لكثير منهم تمييز دقيق للفروق بين الألفاظ المترادفة، وأشبه ما يكون عملهم بترجمة المعنى إلى لغة أخرى دون وقوف على أسرار كل لفظ ..

وكما قلنا قد يقبل ذلك عموماً، أما في معرض تفسير القرآن الكريم، فلا يمكن القبول بأي حال بوجود الترادف، لأن خالق اللغة ومعلِّم آدم الأسماء كلها والذي أحكم كتابه بلسان عربي مبين قد وضع كل لفظ بمكانه المناسب والذي لا يقوم به لفظ آخر

يقول خالد العك: (وإن مما لا شك فيه أنه ليس في القرآن الكريم من الألفاظ المترادفة أو المتواردة إلا وفي كلٍّ منها معنى مقصود، يدركه من كان ضليعاً في فقه اللغة وأسرار العربية).

أصول التفسير وقواعده ص271

ومن الهجران والجفاء أن نعرض فهمنا لكتاب الله على فهم اللغة العربية وما حوته المعاجم وكتب التراث، وكان حري بالمؤمن الباحث والدارس المتدبر أن يعرض فهمه لمعاني الألفاظ العربية على كتاب الله

ولو تأمَّلت كتب المعاجم والتفاسير لوجدت طامَّات من هذا..

واعجب لمن يفسر نُقر في النَّاقُور أي نُفِخ في الصور، إذ لو كانت هذه مثل تلك تماماً لما كان من حاجة لإحداهما تعالى الله وكلامه عن اللغو!!

وإذا كان الإثم هو الذنب فلماذا يكلفنا الله عز وجل مؤنة البحث عن معنى كلمات جديدة وهناك أسهل منها..؟!

والواقع أن المكتبة الإسلامية بحاجة إلى كتاب جامع يحصي الألفاظ المتقاربة في المعنى في القرآن ويبيِّن الفروق الدقيقة بينها، ورغم وجود شذرات متفرقة هنا وهناك إلا أنه يعوزها منهج واضح متكامل تقوم عليه، ولا بدَّ أن يكون عمدة ذلك والمقياس الأول هو تتبُّع ألفاظ القرآن نفسها..

ومن هذه النُتَف المبثوثة في الكتب نرى شيئاً طيِّباً للآمدي (ت370هـ) الذي كان يرجع معنيي الضد إلى معنى واحد يصلح أن يكون أصلاً لكلا المعنيين:

(وأما ما ذكرتَ من أن (دون) تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من الأضداد، مثل (وراء) فقد أخبرتك أن معناها عند أهل اللغة (التقصير عن الغاية)، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة أو شأمة، صلَح في ذلك كله أن تقول: هو دونه...فليس هذا من الأضداد في شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها من الإبهام، وكذلك (وراء) إنما هي من المواراة والاستتار، فما استتر عنك فهو وراء، خلفك أو قدامك..)                             الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي ج1/161

 

ورحم الله الراغب الأصفهاني الذي كان ينوي القيام بهذا العمل، لكن يبدو أن الأجل فَجَأَهُ، يقول في مقدمة كتابه "المفردات": (وأُتبع هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل- بكتاب ينبئ عن تحقيق الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد وما بينها من الفروق الغامضة، فبذلك يُعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته..) ص6

ويبدو أن هناك ثغرة في هذا الميدان شعر بها وتلمَّسها أناس من بعد الراغب، فوجدوا أن القول بالترادف يعيق أداء المعنى الدقيق، ومثل ذلك يقال فيما يسمى الاشتراك اللفظي (عدة معان للفظ واحد)، والتضاد (معنيان متناقضان للفظ واحد)، وكل ذلك فيه تشويش وغموض، وهو ما يولِّد صراعاً بين هذه المعاني المختلفة..

وأولى بنا أن ننزه كتاب الله عن مثل ذلك، بل أن ننأى بأنفسنا عن فهم كتاب الله في حيِّز من التناقض والاختلاف والحزر والتخمين في مراد الله من هذا اللفظ أو ذاك

وللتغلب على هذا التخبُّط يقترح  محمد الطاهر بن عاشور:

  1. تأليف قاموس تُحقَّق فيه معاني الألفاظ
  2. إبطال التضاد
  3. اعتماد لغة قريش
  4. إماتة الأحوال التصريفية التي تؤدي إلى المشترك
  5. تخصيص بعض الأفعال ببعض المصادر ورسم بعض الكلمات برسم يميِّزها كتابة عن بعض

اللفظ المشترك في اللغة العربية

مجلة الهداية الإسلامية مج6/ع4/ص357-358

وهناك أ.د. أحمد حسن فرحات الذي قدم مقارنات وملاحظات على المعاجم المؤلفة في مفردات القرآن يقترح بعض الأمور التي يمكن أن تفيد في مستقبل التأليف المعجمي لمفردات القرآن فيقول:
- إن الحاجة إلى تأليف معجمات تعنى بتحقيق معاني المفردات القرآنية أمر متجدد، والمجال فيه واسع ومفتوح، بل هو واجب لمن آنس من نفسه أهلية ورشداً ، وآتاه الله من فضله علماً وحكماً.
- إن الذي يتصدّى لمثل هذه المهمة العظيمة لا ينبغي له أن يسلك الطريق السهل، وإنما عليه أن يركب الصعب، وأن يكدّ الذهن في التأمل والدراسة. وألا يقف على الشواطئ القريبة وإنما عليه أن يغوص في الأعماق البعيدة، باحثاً عن الدر المصون وطامعاً في اللؤلؤ المكنون.
- لا يكفي لمن يريد ارتياد هذه الآفاق، أن يحمل شهادة في الأدب العربي، أو الدراسات الإسلامية دون أن يكون عاكفاً على كتاب الله تلاوة وفهماً، تذوقاً وتدبراً، يجيل الطرف في آياته، ويجدّ في البحث عن أسرار حروفه وكلماته.

- لا بد من تأكيد منهج الراغب الأصفهاني في بيان الفروق بين ما يظن فيه الترادف، والتوسع في ذلك في المعجمات القادمة

- إضافة لكل ما سبق ، ينبغي للدارس ألا يطمئن كل الاطمئنان إلى دراسات الآخرين وأن ينظر فيها نظرة نقدية فاحصة، وربما يرجح قولاً على قول ومعنى على معنى، وبعد المقارنة بين الأدلة، ربما يظهر له معنى خفي على غيره  وليس ذلك بمستبعد كما أشار إلى ذلك علي رضي الله عنه، حينما سئل: هل ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندكم شيئاً من الوحي لم يبلغه ؟ قال: لا ، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه "- فمعاني القرآن لا يمكن الإحاطة بها:

{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } والمراد المعاني. أما الألفاظ فهي محدودة ولا شك .

- من أمارات صحة المعنى أن يكون متوافقاً مع ما ورد في بقية النصوص منسجماً معها، فإذا تبين خلاف ذلك فمعنى ذلك أن المعنى يحتاج إلى إعادة نظر ودراسة لأن الله تعالى يقول : { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } فإذن وجود الاختلاف الكثير في معنى من المعاني يفيد أن هذه المعاني تحتاج إلى مزيد من التحقيق والتدقيق.

- لا بد من التوسع في تفسير القرآن بالقرآن في مجال دراسة المفردات القرآنية، وعلى الرغم من اتفاق العلماء قديماً وحديثاً على أن تفسير القرآن بالقرآن أعلى مراتب التفسير، لأنه تفسير صاحب الكلام لكلامه، إلا أن هذا المصدر من التفسير لم يتوسع فيه، وبقي محدوداً - على كل ما كتب فيه - وأعتقد جازماً من خلال تجربتي أن بالإمكان ضبط كثير من معاني المفردات القرآنية اعتماداً على هذا المصدر ، وطبقاً لقوله تعالى { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } فقد تكفل الله ببيان القرآن بالقرآن، كما يمكن إدراك كثير من الفروق اللغوية التي أغفلتها المعاجم وكتب اللغة والتفسير من خلال دراسة مقارنة لاستعمال هذه المفردات في السياقات القرآنية المتعددة) ا.هـ

من كتاب معاجم مفردات القرآن (موازنات ومقترحات) أ.د.أحمد حسن فرحات

والخلاصة فإنه لا وجود للترادف وإن وجد فهو لتقريب المعنى لا أكثر.

والتسليم لهذا التقريب أنه المقصود، إقصاء وإبعاد للمعنى الدقيق، وبالتالي لن يحصل التدبُّر التامُّ لآيات القرآن الكريم، وأي تأثُّر فأغلب الظن هو من الروح الحية التي تسري عند سماعه أو من جلال القائل الذي تحنُّ إليه الأرواح عندما أوقفها رب العزة وخاطبها فشهدت بربوبيته - ولله المثل الأعلى - كحنين الطفل إلى صدر أمه ودقات قلبها..

تعقيب:

ذكرنا أنه ليس في كتاب الله ألفاظ غير عربية، ولسنا بِدَعاً في ذلك..فالله العليم سبحانه يقول ذلك:

{ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر  لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين(103) } النحل

وقد جاء وصف القرآن الكريم بأنه عربي أكثر من عشر مرات..وبذلك يقول الشافعي رحمه الله:

ومن جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب

والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شئ إلا بلسان العرب

الرسالة للشافعي ص14

وبما أن لغة العرب واسعة فقد ضاع الكثير منها وأهمل الكثير في الاستخدام..يقول ابن فارس: اعلم أن لغة العرب لم تنته إلينا بكلّيتها وأن الذي جاءَ عن العرب قليل من كثير وأن كثيراً من الكلام ذهب بذهاب أهله والله أعلم

وفي المزهر للسيوطي نقلاً عن مختصرِ كتاب العين للزُّبَيْديّ ما نَصَّه: عِدَّةُ مُستَعملِ الكلامِ كُلِّه ومُهمَلِه ستة آلاف ألفِ ووستمائة وتسعة وتسعون ألفاً وأربعمائة (6.699.400) المستعمل منها خمسة آلافٍ وستمائة وعشرون

(5.620) والمهمل ستة آلاف ألفٍ وستمائة ألف وثلاثة وتسعون ألفاً وسبعمائة وثمانون(6.693.780)  (الأرقام بحاجة إلى تدقيق)

كما أنه نتيجة الاختلاط بالأمم الأخرى حصل هناك تداخل وتشارك في بعض الألفاظ حتى ليظنَّ غير المتبحِّر أن في القرآن ألفاظاً رومية أو فارسية أو حبشية..

ولم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئاً من غير لغة العرب، وكان يقول:هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيرُه يزعم أن القِسطاس الميزان بلغة الروم.والغسَّاق البارد المنتِن بلسان الترك.والمشكاة الكُوَّة بلسان الحبشة.والسِّجِّيل بالفارسية(سّنـْـك) و(كِلّ) أي حجارة وطين، والطور الجبل بالسُريانية، واليمّ البحر بالسُريانية..

أدب الكاتب لابن قتيبة ص324

ولا أحد يملك أن يقول إن أصل اللفظ الفلاني رومي أو سرياني أو..بل عليه أن لايجبن وأن يقول إن أصله عربي وهو يستند إلى قول رب العالمين:

{ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون(2) } يوسف

والجديد الذي نقدمه هنا أن نبحث عن أصل اللفظ ونأتي بجذره وفعله وإن كان مهجوراً، بل لنا أن نجتهد فنقدِّر له أصلاً إن لم نجد هذا الأصل، فقد ضاع الكثير ولعل هذا منها، ومن وجد شاهداً أو قرأ في ثنايا الكتب ما يؤيد هذا الابتداع أو يصوِّبه فليساهم معنا في هذا الجهد وله من الله جميل الثناء